أبي منصور الماتريدي
279
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
فمنهم من قال : يثبت حكم المدلول عليه ويكون مرادا ولا يحكم بسقوط المعنى الآخر ، بل يجوز أن يكون مرادا - أيضا - وإن لم يدل عليه دليل من خارج ؛ لأن موجب اللفظ عليهما فاستويا في حكمه ، وإن ترجح أحدهما بدليل من خارج . ومنهم من قال : ما ترجح بدليل من خارج أثبت حكما من الآخر لقوته بمظاهرة الدليل الآخر . فهذا أصل نافع معتبر في وجوه التفسير في اللفظ المحتمل ، والله أعلم . إذا تقرر ذلك فينزل قوله صلى اللّه عليه وسلم : « من تكلم في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار » « 1 » على قسمين من هذه الأربعة : أحدهما : تفسير اللفظ لاحتياج المفسر له إلى التبحر في معرفة لسان العرب . الثاني : حمل اللفظ المحتمل على أحد معنييه لاحتياج ذلك إلى معرفة أنواع من العلوم : علم العربية واللغة والتبحر فيها ، ومن علم الأصول ما يدرك به حدود الأشياء ، وصيغ الأمر والنهي والخبر والمجمل والمبين والمؤول والحقيقة والمجاز والصريح والكناية والمطلق والمقيد ، ومن علوم الفروع ما يدرك به استنباطا ، والاستدلال على هذا أقل ما يحتاج إليه ، ومع ذلك فهو على خطر فعليه أن يقول : يحتمل كذا ، ولا يجزم إلا في حكم اضطر إلى الفتوى به فأدى اجتهاده إليه ، فيحرم خلافه مع تجويز خلافه عند الله « 2 » . وهذا القانون له نظائر أخرى غير ما ذكر الزركشي ، منها : أولا : يجب حمل اللفظ إذا دار بين كونه حقيقة أو مجازا مع الاحتمال على حقيقته . ثانيا : إذا دار الأمر في اللفظ بين جريانه على عمومه أو تخصيصه ، فإنه يحمل على عمومه ؛ لأن الأصل بقاء العموم . ثالثا : إذا دار اللفظ بين أن يكون مشتركا أو مفردا فإنه يحمل على إفراده ؛ كالنكاح فإنه مشترك بين الوطء وسببه الذي هو العقد فيحمل على الوطء دون العقد أو على العقد دون الوطء لا على الاشتراك .
--> ( 1 ) أخرجه أحمد ( 1 / 233 ، 269 ، 293 ، 323 ، 327 ) والترمذي ( 2950 ) ، ( 2951 ) والنسائي في الكبرى ( 5 / 31 ) وأبو يعلى ( 2338 ) ، ( 2721 ) والطبراني في الكبير ( 12 / 12392 ) ، ( 12393 ) والطبري في تفسيره ( 1 / 58 ) ( 73 ) ، ( 74 ) ، ( 75 ) عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « من قال القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار » . ( 2 ) البرهان في علوم القرآن ( 2 / 166 - 168 ) .